اسماعيل بن محمد القونوي
305
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( والجملة اعتراضية لا محل لها ) هذا مسلك الزمخشري فإنه اختار جواز كون وقوعه في آخر الكلام وتبعه المصنف كذا قيل لكن الظاهر أن مراده ما قاله أبو حيان من أنها دخلت بين هاتين الجملتين يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ [ البقرة : 19 ] و يَكادُ الْبَرْقُ [ البقرة : 20 ] وهما من قصة واحدة فيكون موافقا لما ذهب إليه الجمهور من أنه واقع بأثناء الكلام أو بين الكلامين المتصلين معنى والنكتة فيه التنصيص على كفرهم وعدم خلاصهم من عذاب اللّه تعالى وأخذه بوجه من الوجوه قوله لا يخلصهم الخداع الخ فيه نوع رمز إلى أن المراد المنافقون إذ الحيل والخدع من أوصافهم فيكون اللام للعهد لكن قد عرفت أنها للجنس وأن المنافقين يدخلون فيهم دخولا أوليا فلذا تعرض لبيان الخداع ألا يرى إلى قوله تعالى في سورة الطارق : وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ [ البروج : 20 ] وأيضا الكيد والحيلة الخ لا يختص بالمنافقين وقد نص في القرآن كيد ما عداهم قال اللّه تعالى : إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً قوله : والجملة اعتراضية اعترض عليه الطيبي بأن قال كيف يصح أن تقع معترضة وهي لتأكيد معنى المعترض فهما والكلامان اللذان اعترضت هذه فيهما في شأن ذوي الصيب وهو الممثل به ومضمون هذه الجملة بعض أحوال المنافقين الممثل وقال قالا وجه أن يقال إن قوله تعالى : بِالْكافِرِينَ [ البقرة : 19 ] من وضع المظهر موضع المضمر اشعارا باستبهال ذوي الصيب ذلك يعني العذاب لكفرانهم نعم اللّه ومثل هذا التتميم في المشبه به مما يقوي المقصود في التمثيل من المبالغة قوله تعالى : مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ [ آل عمران : 117 ] عقوبة على معاصيهم لأن الإهلاك عن منحطه أبلغ وأشد وقال الفاضل أكمل الدين في اعتراض الطيبي نظر لأن قوله تعالى : وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ [ البقرة : 19 ] يمكن أن يكون تأكيد المعنى قوله تعالى : يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ [ البقرة : 19 ] لأن الحذر عن الموت لا ينفع لأنه يدركهم لا محالة ولا يفوتونه إليه أشار إليه قوله تعالى : أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [ النساء : 78 ] وح يصلح قوله تعالى : وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ [ البقرة : 19 ] بالتفسير المذكور اعتراضا فيه معنى التأكيد أقول هذا النظر لا ينافي ما ذكره الطيبي من التوجيه المذكور فإن حاصل اعتراض الطيبي أن الجملة المعترضة تكون لتأكيد معنى كلام اعترضت هي فيه وهذه الجملة اعني جملة وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ [ البقرة : 19 ] واردة في شأن الممثلين وهم المنافقون والكلام الذي جيئت هذه الجملة عقيبة وارد في شأن الممثل بهم وهم أصحاب الصيب فهي غير صالحة لتأكيد مضمون ذلك الكلام لأن ما وقع في شأن قوم لا يصلح أن يؤكد ما وقع في شأن قوم آخرين فهي بمعزل عن التأكيد الذي هو فائدة الجملة الاعتراضية ثم بين وجه كونها صالحة لأن تقع اعتراضا بين الكلامين بأن حقق أن مفهومها أيضا إنما هو في شأن الممثل بهم وهو أصحاب الصيب فإن قوله : يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ [ البقرة : 19 ] استئناف وارد في شأن أصحاب الصيب وجملة وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ [ البقرة : 19 ] واردة أيضا في شأنهم دون شأن المنافقين حيث أريد بالكافرين ذو الصيب لكن سكت الطيبي بعد هذا التحقيق عن بيان تأكيد هذه الجملة لمضمون ذلك الاستئناف اعتمادا على فهم ذي لب لظهوره بعد الوقوف على أنهما واردان في شأن قوم واحد والفاضل أكمل الدين أظهر وبين ما سكت عنه الطيبي تفويضا إلى الفهم .